ابن كثير
8
البداية والنهاية
السلطان ، ثم عماد الدين شادي لام ولد ، ونصير الدين مروان لام ولد أيضا . وأما البنت فهي مؤنسة خاتون تزوجها ابن عمها الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب رحمهم الله تعالى . وإنما لم يخلف أموالا ولا أملاكا لجوده وكرمه وإحسانه إلى أمرائه وغيرهم ، حتى إلى أعدائه ، وقد تقدم من ذلك ما يكفي ، وقد كان متقللا في ملبسه ، ومأكله ومركبه ، وكان لا يلبس إلا القطن والكتان والصوف ، ولا يعرف أنه تخطى إلى مكروه ، ولا سيما بعد أن أنعم الله عليه بالملك ، بل كان همه الأكبر ومقصده الأعظم نصرة الاسلام ، وكسر أعدائه اللئام ، وكان يعمل رأيه في ذلك وحده ، ومع من يثق به ليلا ونهارا ، وهذا مع ما لديه من الفضائل والفواضل ، والفوائد الفرائد ، في اللغة والأدب وأيام الناس ، حتى قيل إنه كان يحفظ الحماسة بتمامها ، وكان مواظبا على الصلوات في أوقاتها في الجماعة ، يقال إنه لم تفته الجماعة في صلاة قبل وفاته بدهر طويل ، حتى ولا في مرض موته ، كان يدخل الامام فيصلي به ، فكان يتجشم القيام مع ضعفه ، وكان يفهم ما يقال بين يديه من البحث والمناظرة ، ويشارك في ذلك مشاركة قريبة حسنة ، وإن لم يكن بالعبارة المصطلح عليها ، وكان قد جمع له القطب النيسابوري عقيدة فكان يحفظها ويحفظها من عقل من أولاده ، وكان يحب سماع القرآن والحديث والعلم ، ويواظب على سماع الحديث ، حتى أنه يسمع في بعض مصافه جزء وهو بين الصفين فكان يتبجح بذلك ويقول هذا موقف لم يسمع أحد في مثله حديثا ، وكان ذلك بإشارة العماد الكاتب . وكان رقيق القلب سريع الدمعة عند سماع الحديث ، وكان كثير التعظيم لشرائع الدين . كان قد صحب ولده الظاهر وهو بحلب شاب يقال له الشهاب السهروردي ، وكان يعرف الكيميا وشيئا من الشعبذة والأبواب النيرنجيات ، فافتتن به ولد السلطان الظاهر ، وقربه وأحبه ، وخالف فيه حملة الشرع ، فكتب إليه أن يقتله لا محالة ، فصلبه عن أمر والده وشهره ، ويقال بل حبسه بين حيطين حتى مات كمدا ، وذلك في سنة ست وثمانين وخمسمائة ، وكان من أشجع الناس وأقواهم بدنا وقلبا ، مع ما كان يعتري جسمه من الأمراض والاسقام ، ولا سيما في حصار عكا ، فإنه كان مع كثرة جموعهم وأمدادهم لا يزيده ذلك إلا قوة وشجاعة ، وقد بلغت جموعهم خمسمائة ألف مقاتل ، ويقال ستمائة ألف ، فقتل منهم مائة ألف مقاتل . ولما انفصل الحرب وتسلموا عكا وقتلوا من كان بها من المسلمين وساروا برمتهم إلى القدس جعل يسايرهم منزلة منزلة ، وجيوشهم أضعاف أضعاف من معه ، ومع هذا نصره الله وخذلهم ، وسبقهم إلى القدس فصانه وحماه منهم ، ولم يزل بجيشه مقيما به يرهبهم ويرعبهم ويغلبهم ويسلبهم حتى تضرعوا إليه وخضعوا لديه ، ودخلوا عليه في الصلح ، وأن تضع الحرب أوزارها بينهم وبينه ، فأجابهم إلى ما سألوا على الوجه الذي أراده ، لا على ما يريدونه ، وكان ذلك من جملة الرحمة التي رحم الله بها المؤمنين ، فإنه ما انقضت تلك السنون حتى ملك البلاد أخوه العادل فعز به المسلمون وذل به الكافرون ، وكان سخيا جبيا ضحوك الوجه كثير البشر ، لا يتضجر من خير